الأحد، 10 يونيو، 2012

لوركا...مجرد حنين..


رثاء البداية:
« وعرفت أنني قتلت..
وبحثوا عن جثتي في المقاهي والمدافن والكنائس
فتحوا البراميل والخزائن
سرقوا ثلاث جثثٍ
ونزعوا أسنانها الذهبية ولكنهم لم يجدوني قط»

    بهذه الكلمات كان قد تنبأ لوركا بأنه سيموت مقتولاً وبأن أحداً لن يجد جثته رغم البحث عنها
.
كلما قرأت شعرا للوركا انتابني كم هائل من الألم، وجرفتني أحاسيس متناقضة  لا أدري كنهها.. لعلها نفس الأحاسيس التي دفعت غيري ممن كتبوا عنه الكثير الكثير..
فلوركا علمني كيف أصرخ من الداخل لأجل الحب،لأجل الحرية، ولأجل الإنسانية المقهورة، وهو الذي تغنى دوما بالعذاب الروحي الذي يعتصر قلوب الضائعين في هذا العالم المتوحش..
لوركا وحياته وأعماله موضوع خصب وعميق قدر العمق الروحي والإلهام السامي الذي كان يبدعه، وفرصة الحديث عن لوركا لا تسعها مئات الصفحات، فلوركا لم يكن شاعراً شعبياًً فحسب بل كان رساماً وملحناً وعازفاً..وعلى الرغم من حياته القصيرة- إذ توفي وهو دون الأربعين- فإنه يعتبر أشهر شعراء الطليعة في إسبانيا، وأكثرهم أصالة، و ثقافة ، فهو بصيته الذائع في ميدان الشعر والأدب المسرحي يدين لموهبته الفطرية وقدرته العبقرية الملهمة على الغوص إلى القيم الشعرية الحقة في كل ما يحيد به من مظاهر الطبيعة أو ظواهر الحياة..

الشعر عند لوركا: إن الشعر قبل كل شئ هو أعجوبة المشاعر والاحساس، أعجوبة الصوت، وأعجوبة ذلك " القليل" الذي من دونه لن يكون للفن معنى. إنه شيء غير خاضع للتفسير.وأكيد أن الناس المحرومون من هذه الاذن الداخلية الموسيقية لن يفهموا لوركا. فميزة الشعر انه يقوي شعور المتلقي، وإلا فسيكون هذا الشعر من دون معنى وعقيم.

لوركا قبل كل شيء شاعر أندلسي ثم غرناطي، وهو يدين بكثير من مقومات تكوينه الروحي لغرناطة المدينة التي درج فيها وجرت أولى تجاربه في الحياة والفن. ومن المعروف ما لهذه المدينة الأندلسية الجميلة من تاريخ إسلامي عريق، فقد ظلت عربية اللغة إسلامية الدين حتى مشارف العصر الحديث (1492هـ) وهذه الخلفية من التراث العربي الإسلامي في حياة غرناطة ينبغي ألا تغيب حين نتحدث عن غارسيا لوركا الذي كان عميق الإحساس بأنه لم يكن إلا نتاج بلده وبيئته.
لقد جدد لوركا في القصيدة المعاصرة باعتماده على الفلكلور الأندلسي. كما كان معروفا عليه أنه مناصر للفقراء، والفلاحين والمضطهدين، شغوف باللغة العربية التي نجد آثارها في دواوينه الشعرية.
كثيرا ما تطل علينا من قصائد لوركا ليس فقط الروح الأندلسية وحسب، بل روح غرناطة  التي حدثنا لوركا نفسه عنها حديثا ممتعا.
ونرى مثلا لهذا في قصيدته "الأنهار الثلاثة los tres rios" التي يفتتح فيها قصيدته الطويلة عن "الغناء الأندلسي poema del cante jondo" (1921) وهو يعني بهذه الأنهار الوادي الكبير reo guadal quivir، نهر قرطبة واشبيلية، ثم النهرين الصغيرين "حدره و خنيل (rio darro- rio genil) اللذين تقع غرناطة عليهما، وهو في المقارنة بين المدن الواقعة على ضفافها: قرطبة واشبيلية على الوادي الكبير وغرناطة، وهو يتغنى هنا شعرا، ويرى اشبيلية مشعرة بلذة الحياة ومتعها. إذ أن نهرها يجري بين أشجار البرتقال والزيتون، وهو نهر تجري فيه المراكب، أما نهرا غرناطة فهما ينزلان من قمم الجليد. تلك القمم المشرفة عليها، والتي كان العرب يسمونها جبل الثلج "seirra nevada وهو يتصور أحد هذين النهرين  دما والآخر دموعا، ولا مجاذيف فيهما إلا الزفرات.. صورة أخرى حزينة باكية كأنها تذكرنا بذلك  الجبل القريب من غرناطة، والذي تدعى أحد قممه "زفرة العربي" (EL suspiro del moro)، إذ كان آخر مكان ألقى فيه أبو عبد الله آخر ملوك غرناطة المسلمين نظرة الوداع الأخيرة على بلده الذي طرد منه، فندت عنه تلك الزفرة التي أصبحت علما على ذلك المكان. ويزداد الطابع الحزين  في القصيدة كلها بذلك القفل المزدوج الذي يختم به مقطوعاته:
" آه من الحب
الذي ذهب ولم يعد"
"أه من الحب
الذي طارت به الريح"
وهو قفل يزيد في مأساوية القصيدة وسواد ألحانها..

والحقيقة أنه لا يسهل تمثل القطع التي تتألف منها هذه القصيدة إلا لمن أتيحت له متعة هذا المزاج الغريب من اللذة والألم عند الاستماع إلى مجيدي "الغناء  من الأعماق" "كانطي خوندو"، فهو غناء ينطلق من قاع نفس المغني كأنما تنشق روحه عنه – و من هنا جاءت تسميته ب "العميق" jondo- وهو ينطلق هامسا مرة صارخا مرة أخرى، باكيا في معظم الأحيان، وتتخلله آهات مستطيلة مجهشة، ولا ترافقه إلا نغمات القيثارة الأندلسية .
دعونا نصغي له هنا  متغنيا بغرناطة، حين يقول :
مِن أَجلِْ ذاك الذي يَحْلُمُ التَّعَبَ و القيثارَة،
فَأنْتِ الشّمْسُ التي تُنیرُ الطّرُقات.
أَنْتِ مَن يُساوي كُلّ جَمال،
في اللَّوْنِ و الضِّياءِ و الموسيقى.
نصغى لهذا الحنين، و لهذا الإشتياق، و لهذا الحب الغابر الممزوج بسهام الشمس الحمراء، بأغصان البرتقال وشذى القرنفل و الياسمين. ھكذا ندرك عمق ھذا الحب، الذي كان يستحوذ على نفس لوركا العميق، و روح الفضاء الأندلسي الساكن بأعماقه.
و من ھذا العمق يأتينا صوته قائلا:
أَنْدَلُس .. يا أَنْدَلُس،
يا ذاتَ الطّرُقات الحَمْراء .. !
مِن غُرفَْتي الغَرْناطِية،
تَنْتَهي إليّ رَشّاتُ الماء،
فَأَحْلُم بِأَنّي صاحٍ.
آه عَلَيكِ أَيّتُها الصَّوْمَعَة !
أَبكي دُموعَكِ المَشْرِقِية.
و من قصيدة أخرى لحبيبته غرناطة:
أَجْراسُ الفَجْر،
القادِمَة مِن غَرنْاطَة !
كُلّ البَناتِ يَسْمَعْنَكِ،
و يَبْكينَ "شُمّيسَة" الوَديعَة
المَغْمورَة بِالحُزْن.

و في قصر الحمراء يقول:
ھِي "الحَمْراء" سَلالِمٌ مِن ذَھَبٍ و حَرير،
و الحَديقَةُ الصّامِتَة تَحتَ القَمَر،
حَيثُ تَنامُ اِمرَْأَة فاتِنَة.
ثم يتعالى صوته الشاعري ليحتضن كل غرناطة قائلا:
قَمَرٌ أَنْتِ يا غَرْناطَة،
غارِقٌ تَحتَ عُشْب اللّبْلاب.
غَزالَة أَنْتِ يا غَرْناطَة،
وَرْدِيّةٌ في دَوّاراتِ الرّيح.
و في غَرْناطَة كُلّ مَساء،
كُلّ مَساء طِفْلٌ يَموت،
و الماءُ كُلّ مَساء
يُدَرْدِشُ مَع أَصْدِقائِه.
آه ! لَكَم أَوَدّ أَن أَنْزل في البِئْر،
أُريدُ أَن أَتَسَلّقَ جُدْرانَ غَرْناطَة،
كَيما أَرى القَلْبَ الذي مَضى،
تَحْتَ مَياسِمِ المِياهِ القاتِمَة.
رثاء النهاية
ترك لوركا وراءه ثورة وثروة لا تنضب رغم الفترة القصيرة التي عاشها ترك كلمات لا تندثر عبر تاريخ الأدب العالمي المعاصر أثرت في لاحقيه من كبار الشعراء، فقد رثاه محمود درويش بقصيدة حملت اسم (لوركا) قائلاً:
«عفوَا
زهرِ الدم يا لوركا وشمسٌ في يديك
وصليبٌ يرتدي نارَ قصيدة
أجمل الفرسانِ في الليلِ يحجّون إليك
بشهيدٍ وشهيدة
هكذا الشاعرُ زلزال وإعصارُ مياهْ
 ورياحٌ إنْ زأرْ
 يهمسُ الشارع للشارعِ قد مرّت خطاهْ
فتطايرْ يا حجرْ ».
كما جاء في قصيدة للسياب بعنوان »  غارسيا لوركا «
في قلبه تنورْ
النارُ فيه تُطعمُ الجياع
والماءُ من جحيمهِ يفورْه
طوفانهُ يُطهّرُ الأرضَ من الشرورْ
ومقلتاهُ تنسجانِ من لظىً شراعْ
 تجمعان من مغازل المطرْ
خيوطه، ومن عيونٍ تقدحُ الشررْ. (20)
هو إذن مجرد حنين.. لشاعر اختفت جثته، لكن روحه بقيت عالقة في قلوب كل المحبين..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق