الثلاثاء، 26 يونيو، 2012

سقوط غرناطة .. بضع كلمات تفرضها علي مواجعي.. (في حلقات)


لوحة زيتية لپاديا توضح استسلام "أبو عبد الله " لفرديناند الثاني وإيزابيلا

هي استعراض مختصر لشريط الألم الساكن فينا.. لمن يجهل ما مضى.. وما أكثرهم..
الحديث عن سقوط غرناطة حديث ذو شجون، يحرك بداخلي مشاعر الأسى والحسرة..غرناطة –آخر قلاع المسلمين في إسبانيا-  والتي سقطت سنة (897 هـ/1492م)، فكان سقوطها إيذانا بسقوط صرح الأمة الأندلسية الديني والاجتماعي، وتبدد تراثها الفكري والأدبي، فكانت مأساة المسلمين هناك من أفظع مآسي التاريخ؛ حيث شهدت تلك الفترة أعمالاً بربرية وحشية ارتكبتها محاكم التفتيش؛ لتطهير أسبانيا من آثار الإسلام والمسلمين، وإبادة تراثهم الذي ازدهر في هذه البلاد أزيد من ثمانية قرون.
لا أجد أجمل من الكلمات التي قالها الشاعر الإسباني "فرانسيسكو فيلاسبازا" والتي تعبر بصدق عن جذور العربي المسلم في الأندلس التي لا يمكن أن تجتث..أو تمحى..أو تنسى، حيث يقول : "لو نزعنا بعض الكلس عن جدران جل كنائسنا لألفينا تحته لمعا مذهبا لاسم الله الأقدس محفورا بحروف كوفية، ولو خدشنا بالأظافر بشرتنا الأوربية الصفراء لبرز لنا من تحتها لون بشرة العرب السمراء" 

والمعروف عن هذا الشاعر أنه يحب العرب كثيرا، وقد رثى أيامهم في الأندلس بقصائد جميلة.

1- من نقض العهود.. إلى التنصير القسري (الحلقة الأولى)
بعد سقوط غرناطة أبرمت معاهدة التسليم وفيها مجموعة من الشروط والحقوق والامتيارات لصالح المسلمين شرطها أهل غرناطة على ملك الروم؛ كضمان حرية التجارة والتنقل، وحرية ممارسة الشعائر الدينية،  ليأمنوا على أنفسهم ونسائهم وصبيانهم وممتلكاتهم وجميع ما بأيديهم، ثم الأمان لمن أراد الإقامة ببلدة غرناطة، ومن أراد السفر للمغرب فله ذلك، وكتب لهم لذلك كتابا وأخدوا عليه عهودا ومواثيق في دينه مغلظة على أن يوفى ما شرطوه عليه.
لكن في واقع الأمر، وحسبما أبدت الحوادث فيما بعد لم تكن هذه العهود سوى ستار للغدر والخيانة، فقد تم نقض كل الشروط وأجبر المسلمون بعد سقوط غرناطة على الهجرة خارج البلاد و التنصر، وكان هذا تمهيدا لتصفية الوجود الإسلامي بغرناطة نهائيا.
وفعلا لم يمر وقت قصير حتى بدأ الاسبان ينفذون مخططهم القاضي بتنصير المسلمين وبطرد من حاول البقاء على دينه، فنقضوا كل الشروط شرطا شرطا، وزالت حرمة الإسلام على المسلمين وأدركهم الهوان والذلة، واستطال النصارى عليهم، وفرضت عليهم الفروضات وثقلت عليهم المغارم، وقطع لهم الاذان من الصوامع، وأمروا بالخروج من مدينة غرناطة إلى الأرباض والقرى فخرجوا أذلة صاغرين، ويا حسرتاه.. ويصور لنا محمد عبد حتاملة في كتابه "التنصير القسري لمسلمي الأندلس"  مأساة المسلمين وهم يطعنون في عقيدتهم حيث أكرهوا على التنصر، فدخلوا في دينه كرها وصارت الأندلس كلها نصرانية، ولم يبق من يقول فيها لا إله إلا الله محمد رسول الله جهرا، إلا من يقولها في قبله أو خفيه من الناس، وجعلت النواقيس في صوامعها بعد الآذان، والصور والصلبان بعد ذكر الله تعالى وتلاوة القرآن... فكم فيها من عين باكية وكم من قلب حزين وكم فيها من الضعفاء والمعدومين لم يقدروا على الهجرة واللحاق بإخوانهم المسلمين، قلوبهم تشتعل ودموعهم تسيل سيلا مدرارا، وهم يرون أولادهم وبناتهم يعبدون الصلبان ويسجدون للاوثان، ويأكلون الخنزير ويشربون الخمر .. فلا يقدرون على منعهم ولا على نهيهم ولا على زجرهم، لأن من يفعل ذلك يعاقب أشد العقاب في محاكم التفتيش، فيالها من فجيعة وما أمرها من مصيبة هي كانت على قلوب الأندلسيين ..
حتى لا ننسى..
 الفتوحات الإسلامية، سموها استعمارا لهم، وحروبهم الصليبية، يسموها حروبا للاسترداد.. هي تسميات تختلف، ووجهات نظر تتعارض.. لكن مع هذا وذاك.. يجب ألا ننسى الأهم:
- عندما دخل الإسلام الأندلس كان يحكمها أصلا القوط الغربيون الذين احتلوها أواخر القرن الخامس ميلادي، وقبلهم كان يحكمها الوندال وهم إحدى القبائل الجرمانية المتبربرة.. بالمقابل لما دخل الإسلام تحولت الأندلس إلى أكبر حضارة وعلى جميع المستويات..
- عندما فتح المسلمون الأندلس لم يقتلوا النساء والأطفال، لم يرغموا الناس على التخلي عن عقيدتهم أواعتناق الإسلام، لم يهدموا الكنائس، ولم يحولوها حتى إلى مساجد.. بل تركوها دورا للعبادة كما كانت.. وبنوا قربها مساجدهم..
- عندما دخل الإسلام إلى الأندلس احترم جميع الديانات، فعاش المسلمون جنبا لجنب في سلام وأمان مع المسيحيين واليهود، حيث تمتع غير المسلمين ضمن المجتمع الأندلسي بالعدل والإنصاف، وضمان الحريات الفردية والجماعية.
- بالمقابل.. عندما استرد القشتاليون الأندلس وانتصروا على المسلمين، أحرقوا الكتب والمكتبات، هدموا المساجد، أو حولوها إلى كنائس، قتلوا النساء والأطفال والشيوخ من المواطنين المسالمين، اختطفوا أطفال المسلمين الأقل من 7 سنوات بعد أن طردوا آباءهم إلى ما وراء البحار... ارتكبوا أفظع جرائم البشرية في التاريخ..
(يتبع)...

إشارة: المعلومات التاريخية مستقاة من دكتوراه أستاذي الفاضل د.رزوق "أستاذ تاريخ الأندلس"،  البحث موجود بخزانة جامعة محمد الخامس بالرباط تحت عنوان: "الأندلسيون وهجراتهم إلى المغرب خلال القرنين 16 و17" ، 1987.
وكتاب: "التنصير القسري لمسلمي الأندلس في عهد الملكين الكاثوليكيين" ل محمد عبده حتاملة، الأردن، 1980.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق