الأربعاء، 27 يونيو، 2012

سقوط غرناطة .. بضع كلمات تفرضها علي مواجعي (الحلقة الثانية)

2- المورسكيون.. رحلة الألم
         لوحة للرسام مانويل مورينو غونثالث تمثل طرد الموريسكيين من غرناطة
أفتتح هذه الحلقة باعتراف جميل قاله المثقف المستعرب الإسباني "خواكين بوستامانتي كوستا":  " إننا مدينون للمغاربة بالاحترام لأنهم أساتذتنا، ومدينون لهم بالحب لأنهم إخواننا، ومدينون لهم بالتقدير لأنهم ضحايانا"
قد تلخص هذه القولة تدوينتي هذه، إن لم أقل أنها تعكس تاريخ الأندلس منذ الفتح، إلى الآن.. لكن لا بأس من التذكير، فالذكرى تنفع المؤمنين..
"الموريسكيون" هم الأندلسيون المسلمون الذين تم تعميدهم قسرًا بمقتضى المرسوم الملكي المؤرّخ في 14 فبراير 1502م، لكن، ورغم هذا استمروا في ممارسة شعائر دينهم الإسلامي سرا وخفية عن أعين الواشين بعد 1502، فهم دخلوا المسيحية مكرهين، لذا تظاهروا بقبولهم الدين الجديد، فكانوا يترددون على الكنائس والأديرة، لكي يشاهدهم الإسبان فيأمنوا شرهم، ثم  يعمدون إلى غسل أبناءهم لإزالة آثار الصليب بعد تعميدهم، وكانوا يعقدون حفلات الزواج على الطريقة الإسلامية سرا بعدما يعقدونها في الكنائس.
ونظرا للصفة السرية التي مورست بها الشعائر الإسلامية في هذه الظروف الحرجة، فقد توارث الأبناء عن الآباء جيلا بعد جيل تعاليم الإسلام والتقاليد العربية في حلقات مغلقة، لها صفة المجالس السرية، كما ابتدعوا لغة خاصة بهم تسمى "الخميادو"( قشتالية بحروف عربية)، دونوا بها كل شيء، ولم يكتف المسيحيون بهذا، بل لاحقوا المورسكيين بمحاكم التفتيش، حيث عذبوا أبشع تعذيب.
الأحداث المأساوية تلك التي عاشها الموريسكيون في الأمة الأندلسية المغلوبة زهاء قرن من الزمان.. يصفها لنا محمد المقري التلمساني  في كتابه «أزهار الرياض في أخبار القاضي عياض»  وصفًا مؤثرًا ومؤلمًا يعكس ما حل بالإسلام والمسلمين من طرف القساوسة الطغاة..من استرقاق الزوجات والأولاد ومصادرة الأموال والممتلكات، إلى تحويلهم لمحاكم التفتيش المروعة. 
لا أريد أن أستفيض في سرد الأحداث التاريخية، فهي موجودة في المصادر والمراجع التاريخية، بقدر ما أريد أن أرصد كم هذا الألم الذي عاناه الموريسكي.. في رحلة التهجير والتشريد.. حتى لا ننسى تاريخنا.. لنجدد هذا الوجع الجميل فينا.. فالغريب في الأمر أن يطرد الموريسكي من وطنه الأصلي الذي عمره أسلافه 898 سنة، ويطلب منه العودة من حيث جاء.. الموريسكي جذوره أندلسية، ولا يملك وطنا غير الأندلس..ومع ذلك خرج الموريسكيون من إسبانيا وتركوا فيها حضارة لا يمكن أن تموت.. لازالت شاهدة على مدنيتهم ورقيهم..
وقفة: لا أدري لماذا تذكرني حكاية الموريسكي دائما بحكاية الفلسطيني.. ربما لأنهما يشتركان في مأساة الطرد، والتهجير والتشرد.. فهل كتب علينا نحن العرب المسلمين أن نعيش الطرد والتهجير والتشرد عبر مراحل التاريخ؟..
(يتبع)...

هناك تعليق واحد: