الثلاثاء، 30 أكتوبر، 2012

عندما ساءت العلاقات الديبلوماسية مع إيران.. حققوا معنا !



أتذكر ذاك اليوم.. ما إن دخلت المنزل حتى وجدت أمي في حالة من الخوف والهلع.. حين رأتني هبت قائلة: -ماذا فعلت؟
أجبتها بدهشة وأنا لم أفهم طبيعة السؤال ولا ظروفه: ماذا فعلت؟ أنا للتوه دخلت ولم أفعل شيئا !! ماذا وقع؟ !
ردت بقلق شديد: الشرطة جاؤوا يسألون عنك.. !!
ليس من عادة الشرطة أن تسأل عني أولا.. وثانيا كنت لا زلت لم أفهم شيئا مما قالته أمي..
بعد أن هدأتها وطلبت منها أن تحكي لي بروية و بالتفصيل ما وقع فهمت أن شخصين من الشرطة جاءا يسألان فعلا عني، ويطلبان رؤيتي.. وبما أن أمي تعيش بعقلية الفوبيا-بوليس فقد قدمت لهم ما شاء الله من المعلومات عني، وقالت لهم عن مواعيد تواجدي في البيت، هذا إن لم تُقسم لهم أني سأكون موجودة بعد الزوال !..
أن يسأل عني شرطي أو محقق فهذا فعلا عجيب.. أتذكر أن أول زيارة وآخرها لي لمركز الشرطة كانت لإنجاز بطاقة التعريف الوطنية..
طمأنت أمي أنه لابد أن هناك خطأ في الأمر.. وأني لم أفعل شيئا يستحق زيارة الشرطة أو سؤالهم عني.. مؤكدة لها المثل المغربي "ما ديرش.. ما تخافش" !
ومع وسوسات أمي وفوبياها.. بدأت أتذكر وأبحث عن سبب يمكن أن يجعل الشرطة تبحث عني فعلا.. هل يمكن أن أكون قتلت شخصا بسيارتي وأنا في طريقي للبيت ولم أنتبه للأمر؟ .. حتما لم أقتل أحدا.. لربما لم أحترم إشارة ضوئية.. لكن منذ متى أصبحوا يلاحقون مخالفي الإشارات المرورية لمنازلهم؟ !!..
اختلط علي الحابل بالنابل.. وفكرت يمينا ويسارا.. وبدأت أنتظر موعدي مع المُحقق.. وكلي شوق ورهبة لمعرفة سر هذه الزيارة الغريبة.. ترقب وخوف غامض من حكايات التحقيقات والتهم التي قد تصيب الأبرياء....
وجاء الموعد..
كان شخصا مهذبا لا يلبس اللباس الرسمي.. أول ما بدأ كلامه هو اعتذاره عن هذا الإزعاج.. فاغتنمت الفرصة لأخبره بقلق أمي.. فقال لي بحرج شديد والله لذا نأتي بدون لباس رسمي حتى لا نسبب إزعاجا أو حرجا للناس..
لم يكن كغيره من البوليس الذين تشتم في كلامهم رائحة اتهامات خطيرة.. فيعطونك الإحساس أنك فعلا مجرم دون أن تدرك ذلك.. أو يمنحونك إحساسا غريبا أن مجرما خطيرا يختبئ داخل ملابسك !..
المهم، أسلوبه المؤدب في الحديث.. وحدسي.. طمأنني على أن الأمر ليس خطيرا.. طلبت منه أن يدخل في الموضوع مباشرة.. فكان ذلك
-         من فضلك هل تدرسين الفارسية؟.. 
من جديد لم أفهم صيغة السؤال.. أو أحيانا تنتابني البلادة.. قلت له أكيد في الجامعة ندرسها.. وفهمت الأمر.. يا إلهي "فرْفرْدِكارا"!! ههه إنها الأزمة الديبلوماسية بين الرباط وطهران.. لحسن حظي أني من متابعي الأخبار السياسية.. ! فالأمر يعرفه المتتبعون، ولا مجال لذكره هنا ملخصه أن المغرب في 2009 قرر قطع علاقاته الدبلوماسية مع إيران بعد أن توترت العلاقات بين البلدين لأسباب متعددة.. أهمها الخوف من التشيع !
           طيب.. وأنا مالي؟؟؟.. "چه کسبِ و کارْ منِ "ما محلي أنا من الإعراب في هذه الجملة السياسة؟؟؟ !!!
في تخصص الدراسات العربية؛ كان من الضروري إضافة إلى لغتين أجنبيتين (الفرنسية والإنجليزية) أن نختار لغة سامية إما العبرية أو الفارسية، وإن كنت أود أن أختار العِبْرية من منطلق "اعرف عدوك".. لكن في غياب أستاذ لهذه المادة، اضطر جميع الطلبة لدراسة الفارسية..
يعني أن وزارة التربية الوطنية كلها تعلم .. والعالم كله يعرف أن طلبة جامعتنا يدرسون الفارسية.. فلماذا تأتي الشرطة لتسألني؟؟
استفزني عندما بعد أن بدأ يسأل ويسجل: الاسم، تاريخ الازدياد، المهنة، مقر العمل؟ الحالة العائلية؟ كم سنة درست  الفارسية.. رقم البطاقة الوطنية.... كانت أسئلته كثيرة.. وأظهرت مدى سخافة الوضع.. الجامعة ترغمنا على دراسة لغة بلد ما .. وعندما تسوء العلاقات الدبلوماسية يأتون ليحققوا معنا..
إنه الخوف من التشيع.. وكما فهمت منه وبصعوبة.. أن الجهات المسؤولة تقوم بجمع بنك للمعلومات.. وطالما يشتمون رائحة التشيع في مكان ما يعودون إليه.. عجيب أنت يا بلدي !!الكل متهم حتى تثبت براءته !!!
أنا شخصيا لم أكن مهتمة بالمذهب  الشيعي.. فالله رحمنا بالمذهب المالكي السني.. أوسط المذاهب وأكثرها رحمة بالمؤمنين.. لذا لم يكن يعنيني الشيعة ولا أئمتهم الإثني عشر.. ولا لطمهم لوجوههم وكسرهم لضلوعهم يوم أعيادهم.. إلى الجحيم " بِهِ جهنمِ"
لكن ليس كل من درس لغة سيكون مشروع شيعي.. طلبت منه في تهكم أن الأصح هو أن يحقق مع أستاذة المادة.. ومع عميد الكلية .. ومع وزير التربية.. ثم إن الفارسية ليست مقصورة على طلبة الكلية.. فأي شخص يمكنه بنقرة صغيرة أن يدخل لأي موقع فارسي..ويحمل أي كتاب شاء..فيقرأ له ما شاء الله أن يقرأ..
أليست الدولة على علم باختراع يسمى الأنترنيت؟؟ ربما.. ! غباء " حماقتِ"
وجدت الوضع تافها جدا.. مؤسفا حقا.. مذلا فعلا.. الدولة تواجه خطر التشيع بإنشاء بنك معلومات للطلبة الذين درسوا الفارسية.. عوض أن يفكروا في تقوية انتمائهم للمذهب السني المالكي عن طريق إقامة محاضرات، ندوات.. والتوعية في المساجد والجامعات.. وغيرها من الوسائل الوقائية الذكية..
للأسف نحن أمة لازالت تؤمن أن المنع هو الحل الأسهل.. المنع لازال سيد الموقف.. عوض التوعية..
ذهب الشرطي ليحقق مع باقي الطلبة.. وبقي السؤال مطروحا :
"أنا مالي.. يا إلهي.. " فرفردكارا.. حتى عندما تسوء العلاقات الدبلوماسية.. يحققون معنا؟ !!!

*الكلمات بلون مغاير هي كلمات فارسية..لأبين لكم أني فعلا تعلمت الفارسية !

السبت، 27 أكتوبر، 2012

كتاب "طوق الحمامة " رحلة في الهوى ومعانيه..



كلما حملت هذا الكتاب بين يدي أدركت أنه سبق زمانه بكثير..  أدركت أنه جاء لكل الأزمنة.. فهو كتاب يستحق أكثر من قراءة..لأنه يعلمنا أن الحب الحقيقي هو طوق في عنق حمامة.. هو رمز للدوام والثبات، لا يفارقها إلا بالموت.. إنه حقا من أروع الكتب التي قيلت في الحب..
يعتبر كتاب "طوق الحمامة في الأُلفة والأٌلاف" لصاحبه "ابن حزم الأندلسي" والذي ألفه في قرطبة حيث كان يقيم.. قبل أكثر من ألف عام مضى، من أكثر الكتب إثارة للإعجاب والجدل في نفس الوقت، فهو رسالة مطولة في الحب، وما يدعي للجدل أن صاحبه رجل سياسة وقانون وفقه، كما كان عالم دين وفقيه، وصاحب مذهب.. ويعتبر في نفس الآن من فقهاء الأندلس الشديدي العارضة في الدفاع عن الدين. وهو بحق من ذخائر تراث الأدب العربي..
وقد وُصف هذا الكتاب بأنه أدق ما كتب العرب في دراسة الحب ومظاهره وأسبابه. مما جعله يُترجم إلى العديد من اللغات العالمية. فهو بمثابة اعترافات، دوَن فيه صاحبه ملاحظاته ومعلوماته حول الحب، ثم فسر الظواهر النفسية التي ترافقه، من خلال مجموعة من أخبار وأشعار وقصص المحبين، وتناول بالبحث والدَّرس هذه العاطفة  الإنسانية على قاعدة تعتمد على شيء من التحليل النفسي من خلال الملاحظة والتجربة، وهذا ما يُعتبر سبقا في حد ذاته.. !
لقد قدم لنا "ابن حزم " مفهوم الحب، وبوبه معتبرا إياه محورا للأخلاق الشخصية والاجتماعية في كل عصر، وعليه المعول في إصلاح النفوس، وعالج هذه العاطفة من منظور إنساني تحليلي ..فقسم محتويات كتابه إلى جزئين: جزء يناقش ماهية الحب أو طبيعته وأسبابه وأنواعه، والجزء ثاني يتحدث عن أحوال المحبين وسلوكهم ومخططاتهم.
الجديد الذي جاء هذا الكتاب في عصره طبعا.. أن ابن حزم يعتبر الحب  استحسانا روحيا وامتزاجا واتصالا نفسيا كانا قبل أن تنزل النفس إلى الأرض، أما الاشتهاء فإنه علاقة جسدية أرضية محضة.. فيقول عن الحب "اتصال بين أجزاء النفوس المقسومة في هذه الخليقة في أصل عنصرها الرفيع على سبيل قواها في مقر عالمها العلوي، ومجاورتها في هيئة تركيبها".. وهو هنا متأثر بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم حين قَالَ: "الأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ تَطُوفُ بِاللَّيْلِ ، فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ ، وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ " فالمحبة التي تكون لسبب من الأسباب تفنى بفناء سببها.. لكن محبة العشق الصحيحة المتمكنة من النفس لا تفنى إلا بالموت.
ابن حزم في كتابه لا يدعو إلى الحب المُجرَم ولا إلى الزنا، فهو يربط بين الحب والشرع، وبين التوازن الذاتي والتوافق الاجتماعي، وتكتسب بذلك التجربة الشخصية بُعدا أخلاقيا، ذلك أن الحب يؤدي إلى تعرف أعمق بالسلوك الاجتماعي الذي يعود بالخير على المجتمع، ويقرب البشر من الرحمة الإلهية، وعندما يرتبط الحب بالوجود والنمو والإدراك والزمن يصير دنيويا..
"طوق الحمامة" بقدر ما هو كتاب حب وسيرة واعترافات شخصية.. هو أيضا كتاب قيم وأخلاق، فالحب بمفهومه الضيق، قد اتسع عند ابن حزم ليشمل مطلق المحبة والألفة، ويتضمن كلاما في الأخوة والصداقة كقيم إنسانية مهمة ..
لقد قدم ابن حزم الأندلسي مفهوما راقيا للحب في زمن كانت أوربا في  عصرها الوسيط تعتبر المرأة باب الشيطان.. و شيطان الغواية.. إلى غيرها من المعتقدات اللاهوتية التي ربطتها بالجحيم.. فالحب الإنساني والعفيف.. الحب الذي يبعث المروءة والنبل والنخوة في النفس الإنسانية.. لم تعرفه أوربا إلا بعد اتصالها بالعرب، ولم يعبر عنه الشعر الأوربي والقصص الأوربية إلا منذ ذلك الحين..
لقد جعل ابن حزم الأندلسي من الحب أسلوب حياة يجمع بين قلوب المحبين..وليس وسيلة للهروب من الحياة كما كان معتقدا من قبل.. فكان بهذا سابقا لزمانه.. في الرقي بعاطفة إنسانية جبلها الله في عباده.. وجعلها مسلكا لخلق المودة والرحمة في قلوب البشر..