الخميس، 17 يناير، 2013

مروكية بين الواقع والخيال..





ما بين الخيال والواقع قنْطرة.. قنطرة صغيرة جدا..لكنها خطِرة.. لذا يجب أن نتحلى بشجاعة كبيرة لنتجاوزها.. أحيانا تكون مغامرة غير محمودة العواقب، خصوصا إذا اكتشفنا أننا كنا مُغفلين جدا عندما رسمْنا صورة جميلة ومثالية لهذا الخيال.. لكنها تبقى رِحلة ضرورية، حتى لا نبقى هائمِين بين عالميْن..

     مروكية كانت في الجانب الآخر من القنْطرة.. مُنذ عرفتها في العالم الافتراضي تميزت بخفة دم غير محدودة، وجمال روح لا ينًضب.. ومن خلال أحاديثي معها رسمتُ لها صورة في خيالي..

     في هذا العالم الافتراضي -عالم الخيال- كانت شمسا مشرقة، في شغبها، في مستملحاتها، في مقالبها المتكررة..
      ما جمعني بها أيضا هو عمل خيري، لأكتشف فيما بعد أنها كرّست نفسها لخدمة المحتاجين  والأقل حظًّا في الحياة؛ إذ يبدون جميعًا في عُهدتها كما لو كانوا أبناءً لها، وهي أم حنون لهم.. بقدر تلك الدموع التي ذرفتها لأجلهم.. ثم لمْلمتْها على خجل..

عبور..

     عبور القنطرة الخطِرة، كان حين رتبنا لقاء مشتركا.. فكان التحول !

    قصة التحول هذه ذكرتني ب"البوكيمونات" ! تلك الكائنات الغريبة التي ترمز للخير .. وفي صراعها مع الشر كانت مضطرة للتحول، لتنتصر في  النهاية.. – لا أدري لماذا حضرني هذا المثال بالضبط - لكن تحول مروكية في رحلة العودة عكس لي رحلتها التي تحمل  شعار: "المحبة عبر التضحية" .. لأنها ترى الحياة بمنظار وردي وبكل بساطة.. تبرع في المجالات التي تحث روحها الإنسانية الحسّاسة،  تدفعها للتخلي عن ذاتها والتوجه لملاقاة الآخرين، كأم تخلق من حولها جواً من الهدوء والطمأنينة، لتتمكن من فهم أبنائها واحتياجاتهم فهماً عميقاً..وربما هذا ما جعلني أنعتها بسفيرة النوايا الحسنة..

     معها الوقت يمضي فلا تحس به.. إنه يجري بسرعة ليست في صالحك، كانت بسيطة ومتواضعة،  رقيقة القلب مُسالِمة،...تتشعب معها المواضيع، وتنقلك من موضوع إلى آخر على بساط سحري..

      لن تحتاج كثيرا للتواصل معها، هي رقيقة كنسيم صيفي هادئ.. مبتسمة كفراشة ربيع دائم.. الفرح يمشي كُريات في دمها الأخضر، وباقة من براءة تشتم عطرها من كلمات تتركها معلقة في الهواء.. 
      مروكية شخصية واضحة جدا، لا تعقد الأمور، هي نفسها ..هي مجرد زهرة برية، تعيش حُرة.. وتمْلِك طاقة غريبة وإشعاعا قويا.. قادرة على التأثير في الآخرين.. مِمّن كلماتُهم شهِدت بذلك..

      محاطة بهالة من وقار وهدوء، لكنها قد تجعلك فجأة ودون مقدمات تضحك من أعماق قلبك عندما تُحوّل موقفا جادا إلى قمة الكوميدية !

فسحة لقلم أحمر..
      كلما داهمني تردّي الذوق العام أتحسّر قائلة: قديما كان للشعر أسواق وللناس أذواق.. أما اليوم فقد أصبح كل شيء مرهونا بالأضواء والأبواق.. ومات إحساسنا بالكلمة..

      لكن أحيانا أتفاجأ بومضات تشرق هنا وهناك.. تُؤكّد أن الكلمة لازالت لم تمُت.. الكلِمة الصادقة المعبرة..

تصف مدونتها أنها فسحة لقلم أحمر، يعشق الكتابة والوطن..

     هي فسحة فعلا.. فسحة للجميع.. لأن كلماتها تدخل القلب دون استئذان.. تدويناتها لا تحتاج كثيرا من الفلسفة أو التحليل، بسيطة بساطة صاحبتها، تدويناتها في عمر الزهور،لأنها تملك قدرات داخلية خارقة تمكنها أن ترى بوضوح وسط العواصف والخيْبات..

      من خلال تدوينتها تتأكّد أنها متميزة.. بعفويتها، بالتِقاطاتها الجميلة والجِرّيئة، ودفاعها عن الأنثى بشراسة، لكن  بسخرية سوداء لاذعة.
       تهوى كل ما هو روحاني.. حين تتساءل بحيرة: هل يحبني الله؟

 تعشق مغربها عشقا جنونيا.. ذلك الحب الذي يجعلك لا تعاتب حبيبك ولا تلومه، رغم كل ما قد يسببه هذا الحبيب من هجر أو ألم..

         تهوى كل ما هو وخيالي حين تحلم..  كيف لا وأحلامها كثيرة ؟.. تسُدّ عين الشمس !..

في الواقع تبدو لك امرأة رقيقة.. لكنها  في العُمق أكثر صلابة مما هي في الظاهر،لأنها تؤمن بأشياء كثيرة.. أشياء أنا شخصيا تخلّيْتُ عن الإيمان بها.. أشياء صدّقتها  فتأكدت لاحقا أنها كِذبة كبيرة .. لكنها جاءت لتذكرني بها..
       قبل أن أودعها في طريق عودتي، قلت لها مازحة : سناء.. لقد كان تحولك من الافتراضي إلى الواقعي تحولا ناجحا .. فضحكت..

       كيف لا وهي التي تمنحك إحساسا بغد مشرق  !

       كيف لا وسناء  لا  تحتمل لغويا  إلا معنى واحد هو العُلوّ والرِّفعة والسّمُو..

الأحد، 13 يناير، 2013

من الذاكرة: "صباح مزعج"



في هذه القرية المتمدنة، لا وجود للمدنية، الناس لا زالوا يعيشون حياة البداوة، لا يريدون أو لا يستطيعون 
الاستغناء عنها.. أحس كلما مررت منها أن السلطات مدّنتْهُم عُنوة.. سموها مدينة، رُخّصت فيها لسيارات أجرة صغير حمراء.. بدى منظرها بين عربات الجر والحمير منظرا متنافرا...
         أجلس وحيدة في هذا المقهى البئيس، المتسولون يطوفون حولي كذباب لا يمل.. المتسكعون أيضا يجلسون على الرصيف عند قدمي، وقرب المقهى، أو يطوفون حول الموائد بكل حرية دون أن يتدخل صاحب المقهى لطردهم..
       وقفت أمامي متسولة، رفعت رأسي لحظة إليها، كانت تنظر إلي مادة يدها في صمت، في عينيها حولٌ مخيف، ملابسها متعفنة ، قالت دون مقدمات:
-         أعطني درهمين !
-         لا أملك نقودا
      ألحّت بنفس اللهجة ذاتها: أعطني درهمين..
     كانت لهجتها جافة، خالية من أي استجداء أو استعطاف.. أزعجني بمنظرها المقزز، وشوشت علي خلوتي..
      حاولت صرفها عني بلامبالاة: أعطيك لاحقا عندما تكون عندي نقود..
      لم يزعجني حضورها إلى حد كبير، لقد ألفتُ رؤية هذه الوجوه البئيسة المتشردة في كل الطرق التي أرتادها بحكم  تنقلي اليومي، لم تعد تثير في نفسي الشفقة كثيرا، اكتشفت لاحقا أن جُلّ الناس يتصدقون عليهم ليس رأفة أو شفقة، بل هروبا من منظرهم، فيحاولون صرفهم عنهم بأسرع وقت ممكن..
      لم تزعجني هذه السيدة فقط بمنظرها، بل بتكسيرها للحظة سكون وصفاء كنت أستمتع بها..
       سرعان ما فاجأتني بسؤال آخر: إلى أين تذهبين؟..
        فعلا.. عليك أن تتوقع أي شيء من هؤلاء المجانين !..
        متسولون، متسكعون، مجانين، باعة متجولون.. كانوا كلهم كذلك.. جالسين على الأرصفة، أعينهم مغلقة أو نصف مغلقة....أحيانا بنظرات زائغة في اللاشيء.. أو ساهمة تبحث عن مصدر الشمس في هذا الصباح الديسمبري..
        محاوِلة الاسترخاء قدر الإمكان، مددت قدمي أكثر، استويت في مقعدي، لأتمتع بهذه الشمس الصباحية الدافئة بعد أيام طويلة ممطرة وباردة، وأحاول على الأقل قتل الوقت في انتظار وصول إحدى الحافلات المتوجهة نحو الجنوب..
        منظري كان غريبا في هذه الصورة السريالية.. عشرات من المتشردين واللصوص والكلاب الضالة.. وفتاة تكتب في ورقة، لا يهم ما كانت تكتب، لكن فعل الكتابة كان شيئا شاذا في صباح باكر، وسط أناس لم يعرفوا من الحياة إلا بيع بضع خبزات وبيض مسلوق، أو تسول بضع دريهمات..
         ألفت هذه العادة.. عادة الكتابة في الطرقات التي أترددها.. فأصبحت أضع في حقيبة يدي أوراقا بيضاء وأقلام عوض أدوات التجميل.. كلما هممت بركوب وسيلة سفر..إلى أي مكان..
         المتسولة سئمت أخيرا مني.. كنت أرقبها خلسة..حانية رأسي على أوراقي، تأكدت من تفاهتي وهي تراني أخربش على هذه الورقة، فانصرفت عني إلى شخص آخر علها تفوز منه بأي صدقة، أو حتى بضع كلمات.. ابتسمتُ داخليا وإحساسي بأني انتصرت عليها.. !
         أخيرا وصلت الحافلة، كانت مهترئة، مُرهقة..مثلي تماما عندما أعود في نهاية اليوم إلى البيت.. واضح أنها من مخلفات مرحلة ما بعد الاستقلال! لم يكن مهما عندي لا شكل الحافلة، ولا العصر التاريخي الذي تنتمي إليه.. ماكان مهما هو الوصول.. لقد ربطت علاقة احترام كبيرة مع هذا النوع من الحافلات، بقدر ما كانت متواضعة وبسيطة أحس حين أركبها أني انتقلت عبر آلة الزمن إلى مغرب آخر.. المغرب الحقيقي، مغرب الفلاحين والفقراء، وسكان البوادي والقرى الذين يعيشون حياة تفصلنا عنهم سنوات ضوئية..
         تذكرت يوما في طريق العودة، على متن حافلة أغلب الظن أنها تنتمي إلى العصر الوسيط ما بين مرحلة الاستعمار والاستقلال! كانت بداخلها سواري خضراء..! وكانت خالية إلا من بضع فلاحين يتحدثون بصوت مرتفع ويصرخون، وعجوز رفقة حفيدها النائم على ذراعيها.. توقفت الحافلة فجأة في منطقة نائية، سمعت حديثا بين "الكريسون" وشخص ما ، كانا يتفاوضان على الثمن، وأنا الغارقة في تأملاتي لم أدر لا كيف ولا متى صعد قطيع من الغنم إلى الحافلة رفقة صاحبه !! لم أحس إلا ونعجة ترمقني بفضول حيث أجلس وحدي في مقعد بالكاد يستطيع التماسك.. 
         لقد قرر صاحب الحافلة نقل  الأغنام ليعوض خسارته في يوم قل فيه الركاب.. هكذا بكل بساطة..! فأصبحنا داخل حضيرة متنقلة.. كانت النعجة وصديقاتها يتجولن بحُرية في الممر الموجود بين الركاب، كتمت غيضي، في حين كان الباقون يستمتعون بهذا المنظر ويضحكون في سعادة بالغة..
         أفقت من ذكرياتي على صراخ حولي، فما إن رأى  المتسولون، والباعة المتجولون واللصوص، وكل هذا الخليط من البشر الحافلة التي وقفت أمامي حتى هبوا إليها راكضين متدافعين، وتحولت صداقاتهم التي يتقاسمونها على الرصيف إلى عداوة حقيقية أمام الحافلة.. الكُلّ يرغب في أن يكون أول من يبيع خبزا أو يتلقى صدقة.. كان منظرهم مضحكا إلى حد القهقهة.. !
         لملمت أوراقي وصعدت من الباب الخلفي.. هذا أكثر أمانا علي من الاختلاط بهم.. ما إن ظفرت بمكان فارغ وجلست، حتى نظرتْ إلي جارتي، تفرّستني قليلا، وبادرتني بسؤال فضولي:
        -         أتذهبين إلى أكادير؟
    أجبتها: لا
    سألت مرة أخرى في إلحاح غريب: إلى أين تذهبين إذن؟
              نظرت إليها في ريبة، كانت تنتظر جوابي باهتمام بالغ، مقطبة الجبين، كمن يهُمّها أمري إلى حد كبير، أجبتها بلامبالاة: الصويرة..
             استمرت في تقطيع الليمون بأسنانها، وبصْقِ قشوره عند قدمينا.. المنظر كان مُقرفا حقا.. قمت لأبحث عن مقعد آخر، وجدت واحدا قرب سيدة متوسطة العمر، منظرها يوحي بالوقار والهدوء.. لم تدم فرحتي كثيرا، ما إن أخرجت أوراقي حتى بادرتني مستنكرة ودون مقدمات:
-         ألا زلت تدرسين؟؟؟
لم تنتظر جوابا مني، فقبل أن أفكر في تبرير مقنع حتى بادرتني قائلة:
-         أتدرين؟ أحسن شيء للفتاة هو الزواج، لا دراسة ولا عمل.. أنا تزوجت في سن السادس عشرة، الخُطاب كانوا على بيتنا بالعشرات...و...و..
لم تأخذ نفسها في الكلام، بل استرسلت في ثرثرتها.. تأكدت حينها أن لعنة حلت بي هذا الصباح، وفكرت حينها فلرُبّما عالم المجانين كان أرحم علي من عالم العقلاء هذا..
أغمضت عيني على ثرثرتها.. وأنا أغيب في عالم بين النوم واليقظة، تحركت الحافلة وتناهى لي صوتها من بعيد ممتزجا بصوت المحرك المزعج ..وهي تسرد علي بعضا من لحظات حياتها المشرقة..!
                                                                                           في مكان ما.. ديسمبر 2001